أحمد بن محمد ابن عربشاه
373
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
يصدر على ذلك المولود من السعد والإسعاد ، ومن الخوف والرجاء في عالم الكون والفساد ، فهل أطلع الملك في أي ساعة وجدوكم أتى عليه حين ولد ؟ قال : نعم أعرف مدة عمرى جزما وهي اثنان وعشرون يوما ، فتعجب المنجم من مقاله ولم يقف على حقيقة حاله ، فقال : ليوضح الملك ما أشار ؛ لأقف على حقيقة هذه الأسرار ، فقال : مدة استيلائى على السرير ، هو هذا القدر اليسير ، وأنا لا أحسب العمر ، ولا أعتد بوصال بيض ولا سمر ، إلا هذه الأيام والليالي ، ولا أحتسب سواها عمرا ولو بيع باللآلئ ، وقد قلت : وعمر مضى بالهجر لست أعدّه * ولكنني أقضيه في زمن الوصل وإنما عرضت يا بطل على رأيك السعيد هذا المثل ؛ لتعلم أن أيام المحنة لا تعد عمرا ، ولو قضى الإنسان فيها زمانا طويلا ودهرا ، وأما الصلح يا ذا الركون فعلى أي وجه يكون ، ومن أين يقع بيننا وبينهم اتفاق وسكون ، وليسوا من جلدتنا ولا على ملتنا ، وفي أي عصر وأوان ذل الأسد واستكان وخضع للفيل ودان ، أو أعطى الغضنفر النبّاج « 1 » ، والضر غام الصعب التاج لغيره الجزية والخراج ، وهو في الحقيقة سلطان الوحوش ووهّاب التاج ، فلم يبق إلا الاستعداد للمصادمة ، والتأهب للمقاحمة والمقاومة ، ولنا من ذلك في البين إحدى الحسنيين ، إما الظفر بهم وهو المرام ، وإما الشهادة فنموت ونحن كرام ، وقد قال السيد السديد : « من قتل دون ماله فهو شهيد » « 2 » . وقيل ما حاتم طي : حسن الثناء على الميت خير من سوء الثناء على الحي ، والموت في مقام العزة مع النشاط والهزة ، أرفع من الحياة بذلة ووخزة وكسرة ونخزة « 3 » ، وقد كنت أنشدت وقديما أرشدت :
--> ( 1 ) شديد الصوت . ( 2 ) الحديث أخرجه الترمذي : كتاب الديات ، باب ما جاء من قتل دون ماله ( 1419 ) وقال : حديث حسن . ( 3 ) وألمه .